الغزالي

121

إحياء علوم الدين

رضي الله عنهم أنه قال : تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا وقال بعض الصحابة لصدر من التابعين : أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا خيرا منكم . قيل ولم ذلك ؟ قال كانوا أزهد في الدنيا منكم . وقال عمر رضي الله عنه : الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد . وقال بلال بن سعد . كفى به ذنبا أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها . وقال رجل لسفيان . أشتهي أن أرى عالما زاهدا . فقال ويحك ! تلك ضالة لا توجد . وقال وهب بن منبه . إن للجنة ثمانية أبواب ، فإذا صار أهل الجنة إليها جعل البوابون يقولون : وعزة ربنا لا يدخلها أحد قبل الزاهدين في الدنيا ، العاشقين للجنة . وقال يوسف بن أسباط رحمه الله . إني لأشتهي من الله ثلاث خصال . أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم ، ولا يكون عليّ دين ، ولا على عظمى لحم . فأعطى ذلك كله وروي أن بعض الخلفاء أرسل إلى الفقهاء بجوائز فقبلوها ، وأرسل إلى الفضيل بعشرة آلاف فلم يقبلها . فقال له بنوه : قد قبل الفقهاء وأنت ترد على حالتك هذه ؟ فبكى الفضيل وقال : أتدرون ما مثلي ومثلكم ؟ كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها ، فلما هرمت ذبحوها لأجل أن ينتفعوا بجلدها . وكذلك أنتم أردتم ذبحي على كبر سنى . موتوا يا أهلي جوعا خير لكم من أن تذبحوا فضيلا . وقال عبيد بن عمير . كان المسيح بن مريم عليه السلام يلبس الشعر ، ويأكل الشجر ، وليس له ولد يموت ، ولا بيت يخرب ، ولا يدخر لغد أينما أدركه المساء نام . وقالت امرأة أبي حازم لأبي حازم . هذا الشتاء قد هجم علينا ، ولا بد لنا من الطعام والثياب والحطب . فقال لها أبو حازم . من هذا كله بد ولكن لا بد لنا من الموت ، ثم البعث ، ثم الوقوف بين يدي الله تعالى ، ثم الجنة أو النار . وقيل للحسن : لم لا تغسل ثيابك . قال الأمر أعجل من ذلك وقال إبراهيم بن أدهم قد حجبت قلوبنا بثلاثة أغطية ، فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب . الفرح بالموجود ، والحزن على المفقود ، والسرور بالمدح . فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص ، وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط ، والساخط معذب ، وإذا سررت بالمدح فأنت معجب ، والعجب يحبط العمل .